مساهمات مجتمعية مجانية

بينما نحيي اليوم العالمي لحرية الصحافة، لا تزال ممارسة هذا الحق الأساسي، محاطَةً بعوائق في سائر بلدان العالم، خصوصًا في المكسيك، وروسيا، أو تونس. لا، بل حتىّ في سويسرا، على الصحافة أن تكافح دائمًا من أجل حرّيتها.

مارس العديد من صحافيِّي وصحافيّات سويس إنفو (SWI swissinfo.ch) المهنة في بلدانٍ تتعرّض فيها حرية الصحافة إلى ضغوطات كبيرة. وخبِر بعضهم.نّ ما يعنيه العمل في بيئة إعلامية غير حرّة.

أثناء عملها، وعند الاستناد إلى مبدأ الشفافية وحقّ النفاذ إلى المعلومة في تونس؛ واجهت صحفيّتنا، أمل المكي، سخريةً من أفراد شرطة لا يؤمنون بهذا المبدأ. وفي روسيا، كان لا بدّ لزميلتنا إلينا سرفيتاز من أن تعيش تبعات سؤالِها الحسّاس الموجّه إلى بوتين.

بالإضافة إلى تجربتين من المكسيك والصّين، سنتوقّف في سويسرا. حيث تحدّثنا ماري موريس، وزميلها “فرانسوا بيليه”، من موقع “غوثام سيتي”، عن كيفية وضع العوائق في طريق الصحافة عند الكتابة عن جرائم ذوي وذوات الياقات البيضاء* في سويسرا.

اقرأ.ئي قصّة صحفيّتنا، أمل المكي، مع وزارة الداخلية التونسية، وكيف ربحت المكي دعوى قضائية، هي الأولى من نوعها في تونس، ضدّ الوزارة في علاقة بالنفاذ إلى المعلومة:

ثلاثون عامًا من الرقابة والاعتداءات على الصحفيين والصحفيات 

باتريسيا إيسلاس، المكسيك 

عندما بدأتُ عملي كصحفية عام 1987، عشتُ الرقابة المكسيكية بشكل مباشر. كانت القاعدة واضحة في التلفزيون الخاصّ: “لا انتقادَ للسياسة الوطنية”. لم يبقَ أمام الصحافة الاستقصائية سوى نافذة واحدة، هي استخدام أمثلة من البلدان الأخرى لتبيان الوضع في المكسيك. وذلك على غرار، كيف استولت بضع عائلاتٍ على البلدان الجنوبية لأمريكا الوسطى؟، أو الجرائم ضد الإنسانية في يوغسلافيا السابقة بداية التسعينيّات. وكان عليَّ أن أُبقي صوتي منخفِضًا دائمًا.

في ذلك الوقت، كان هناك سرٌّ شائع في المكسيك، وهو أن التلفزيون كان مراقَبًا. انتقلتُ لاحقًا إلى العمل في صحيفة أتاحت لي هامشًا من الحرية. لكن هناك أيضًا، لم يكن كل شيء ممكنًا.

كانت انتخابات العام 1994 تقترب، وتلقّيت من صحيفتي الجديدة، التي يُفترض أنّها مستقلّة، تكليفًا خاصًّا. حيث كان ينبغي عليَّ، من الصباح حتى ساعات المساء، متابعة أحد السياسيين، الذي أصبح فيما بعد مرشّح الحزب الذي حكم طويلًا. لم أتمكّن من إعداد تقارير صحفية بشكل فعلي، بل كنت بشكلٍ أساسي، أكتب تقارير لرئاسة الجريدة. لم يكن ذلك تصوّري عن الصحافة، وقد أتعبني العمل حدّ المرض.

وبعد أن أنهيت مهمّتي بأسابيع قليلة، جرى اغتيال هذا المرشح الرئاسي.

هزّت جريمة القتل هذه السياسة المكسيكية، وكانت بمثابة بداية هيمنة الجريمة المنظّمة في المكسيك. وكانت هناك عملية إعادة توزيع للسلطة السياسية في وسائل الإعلام: فلم تعد الدولة، بل الجهات المالكة للشركات الإعلامية، هي التي تمارس الرقابة، وذلك اعتماداً على مصالحها وتفضيلاتها السياسية.

ثلاثون عامًا مضت منذ أن غادرتُ المكسيك؛ وبالكاد يستطيع المرء هناك العملَ بحرّية أكثر. تقوم الدولة الموازية، التي أقامتها الجريمة المنظمة،بقتل زملائي وزميلاتي، إذا لم يعجبها ما يكتبونه ويكتُبْنه؛ وذلك دون أن يلقى القتلة عقابًا. في العام 2023، اُغتيل أربعة صحفيين، ومن المتوقع أن يزداد العنف ضدّ الصحفيين والصحفيات في العام 2024، كونه عام انتخابات.

كيف يتمّ طرد المراسلات الأجنبيات والمراسلين الأجانب من البلاد؟ 

القسم الصينيّ

من الواضح أنّ الصين ثاني أكبر قوة اقتصادية في العالم، والتي يبلغ عدد سكّانها 1،4 مليار نسمة، دولة جاذبة للمراسلات الأجنبيات والمراسلين الأجانب. أمّا سويسرا، بأزماتها القليلة وتكاليف معيشتها المرتفعة، فهي أقلّ جاذبية بكثير.

كصحافي من الصّين، غالبًا ما أكون مندهشًا من استعداد السلطات السويسرية للردّ على جميع الأسئلة، ومنح الصحافيين والصحافيات فرصةً للاطلاع. حيث عادةً ما تقوم السلطات الفدرالية، والكانتونات، والمؤسسات الأكاديمية والبحثية، والجامعات، والشركات متعدّدة الجنسيات، بمشاركة معلوماتها المفصّلة مع المقيمات والمقيمين هنا من الصحافيات والصحفيين الأجنبيات والأجانب.

في المقابل، يزداد الوضع سوءًا في الصّين. ففي ظل التوتّرات الجيوسياسية الحالية، أصبحت بعض الدول، وخصوصًا الصين، أكثر عدائية إزاء الصحافيات الأجنبيات والصحافيين الأجانب. حيث تقوم هذه البلدان بتجريد الصحافي أو الصحافية من الشرعية، عبر إلغاء الإقامة القانونية واحتقار الصحفيين.ات بوصفهم.نّ بالأبواق المعادية والمهدّدة للأمن القومي، أو بأنّهم.نّ أدوات لنشر الأخبار الكاذبة. تعتمد الصين على “الابتزاز بالتأشيرة”، لإعاقة عمل الصحافيات الأجنبيات والصحافيين الأجانب.

شدّدت الصين خلال جائحة كورونا، القيود والمضايقات والعوائق أمام الصحافيات الأجنبيات والصحفيين الأجانب، وفي طريق الوصول إلى المصادر. واعتقلت الحكومة، لفترات قصيرة، مراسلي ومراسلات العديد من وسائل الإعلام الأجنبية في الصين، ومن بينها الإذاعة والتلفزيون العمومية السويسرية الناطقة بالفرنسية (RTS)، وذلك خلال تغطية التظاهرات في شنغهاي ضد£ “سياسة صفر كوفيد”. حتىّ إن أحد صحافيِّي الـ”بي بي سي” قد تعرّض للضرب.

وقد أُجبر الكثير من المراسلات الدوليات والمراسلين الدوليين على مغادرة الصين، وإعداد التقارير عنها من خلف الحدود، على سبيل المثال من سنغافورة أو من تايبيه، عاصمة تايوان.

في المقابل، يعتبر الصحافيون الأجانب والصحفيات الأجنبيات في سويسرا في وضعٍ جيدٍ منذ العام 1960. حيث غالبًا ما تُحترم الاستقلالية المهنية للصحفيين.ات الأجانب والأجنبيات. كما يُحترم الحق في الحصول على المعلومات، والحق في الانتقاد، وكذلك دور الصحافة الأجنبية كإطلالة ناقدة من الخارج.

في سويسرا أيضًا، للمعلومة ثمن 

“ماري موريس” و”فرانسوا بيليه”، مؤسِّسة ومؤسّس موقع “غوثام ستي” (Gotham City)، الشريك الإعلامي المنتظِم لسويس إنفو. 

ماري موريس وفرانسوا بيليت
 أسّست ماري موريس وفرانسوا بيليت معًا “غوثام سيتي”. KEYSTONE/DOMINIC STEINMANN

لحسن الحظ، نحن كصحافيين وصحافيات، لا نتعرّض في سويسرا للتهديد بالأسلحة النارية ولا بالضرب. لكن في المقابل، هناك دعاوى قضائية. فمنذ تأسيس “غوثام ستي” في العام 2017، واجهنا حوالي عشر دعاوى. ويُشتكى علينا في الغالب، وفقًا للمادة 28 من قانون العقوبات المدني التي تحمي “الشخصية”؛ لذلك فإن الأطراف المدّعية لا تتهمنا بتشويه السمعة.

تعتمد “غوثام ستي” بشكلٍ منهجيّ على الوثائق القانونية العامّ، أو تلك التي نصل إليها كصحافيين وصحافيات. ويعتبر الحصول على المعلومات عملاً شاقًّا.

لكنّ الشخصيات، التي ترد أسماؤها في الوثائق، لا تريد أن تُذكر بالاسم، بل أن تبقى مجهولة. فليس من الضروري بالنسبة لها، تبيان هويتها لأنها، كما تدّعي، ليست معروفة بشكلٍ كافٍ لتكون هويتها محطّ اهتمام عامّ. وفي كل مرّة، كانت هذه هي القضية التي على القضاء أن يبتّ بها.

حاليًّا، على سبيل المثال، يريد مصرفيّ متّهم بالتهرّب من دفع عشرات ملايين الفرنكات لسلطات الضرائب السويسرية، منعَ نشر مقالٍ حوله. نحن من جهتنا، على قناعة بأن هذه المعلومات تهمّ المصلحة العامة. ومن المتوقّع، أن يصدر حكمٌ حول هذه القضية قريبًا.

بالنسبة لوسيلة إعلامية مستقلّة مثل “غوثام سيتي”، فإنّ هذا الكفاح من أجل المعلومات له ثمن: عدة آلاف من الفرنكات نضطر إلى إنفاقها كل عام لتغطية تكاليف المحاكم والمحاماة. ومنذ حوالي عامين، تجمع جمعية “بات فاند” (batfund.ch) الأموال لمساعدتنا في تكاليف الإجراءات القضائية. لسنا وحدنا من نعاني في سويسرا من عمليات “تكميم الأفواه” هذه. فقد انتقدت ذلك، العديد من المنظمات غير الحكومية؛ على غرار، منظمة العفو الدولية. لكنّ الغالبية السياسية في البرلمان لا تريد تحسين هذا الواقع.

تحرير: بنيامين فون ويل وسامويل يابيرج

ترجمة: جواد الساعدي

مراجعة: أمل المكي

المصدر: SWI swissinfo.ch 

مساهمات مجتمعية مجانية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *